وهبة الزحيلي

34

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

الحركة وبعثه بسرعة وسهولة ، كأنّه كان نائما ثم استيقظ ، فوجد القرية قد عمرت بعد سبعين سنة من موته ، وتكامل ساكنوها ، ورجع إليها بنو إسرائيل . فقيل له بواسطة الملك : كم وقتا لبثت ؟ وسئل هذا السؤال ليظهر عجزه عن الإحاطة بشؤون اللّه تعالى . وأكثر المفسّرين على أن ظاهر هذه الإماتة : أنها بإخراج الرّوح من الجسد ، والأظهر أن القائل : هو اللّه تعالى ، من طريق ملك أو هاتف من السماء يقول له ذلك . فقال : لبثت يوما أو بعض يوم ، على التّقريب والظنّ والتّخمين ، لأنّه مات أوّل النهار ، ثم بعثه اللّه في آخر النهار ، فلما رأى الشمس باقية ظنّ أنها شمس ذلك اليوم ، فقوله هذا على ما عنده وفي ظنّه ، فلا يكون كاذبا فيما أخبر به ، ومثله قول أصحاب الكهف : قالُوا : لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ [ الكهف 18 / 19 ] ، وإنّما لبثوا ثلاثمائة سنة وتسع سنين . فأجيب : بل لبثت مائة عام ، فانظر لترى دلائل قدرتنا إلى طعامك وشرابك طوال هذه المدّة ، لم يتغيّر ولم يفسد ، مع أنّ العادة جرت بفساد مثله بمضي مدّة قليلة . وانظر أيضا لترى الدّليل على قدرتنا إلى حمارك كيف نخرت عظامه وتقطّعت أوصاله ، لتتبيّن تطاوّل مرور الزّمان عليه وعليك وأنت راقد أو نائم فعلنا بك ما فعلنا لتعاين ما استبعدته ، ولتتيقّن ما تعجبت منه ، ولنجعلك دليلا على المعاد ، وآية دالّة على تمام قدرتنا على البعث يوم القيامة ، كقوله تعالى : ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ [ لقمان 31 / 28 ] ، فقوله : وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ دليل على البعث بعد الموت . وانظر كيف نرفع عظام حمارك المتناثرة يمينا وشمالا ، فيركب بعضها على بعض ، ونردها إلى أماكنها من الجسد ، ثم نكسوها لحما وعصبا وعروقا وجلدا ،